سليمان الدخيل
56
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
وجاءت نكبة البرامكة انتصارا للعرب على الفرس ، وازداد نفوذ العرب نتيجة لها . فأسندت الوزارة إلى الفضل بن الربيع بعد البرامكة - وكان حاجبا للمنصور والمهدى والهادي - وما زال الفضل وزيرا للرشيد حتى توفى « 1 » - أي الرشيد - كذلك أسند الرشيد قيادة الجيش وديوان الجند إلى الشحر الهذلي وعبد اللّه بن عبده الطائي « 2 » . لما ولى الأمين الخلافة انتعش العرب في بغداد ، وازداد نفوذهم بينما ضعف شأن الفرس ، وأسندت المناصب الكبيرة إلى العرب فقلد الأمين ، العباس بن الفضل بن الربيع حجابته ، والفضل بن الربيع الوزارة ، وبكر بن المعتمر ديوان الخاتم « 3 » . رأى العرب في بغداد ضرورة تأمين ما حصلوا عليه في عهد الأمين من مكاسب وامتيازات ، فسعوا إلى تحريض الأمين على نقض بيعة أخيه المأمون بولاية العهد ، لأن المأمون تربى منذ نعومة أظفاره في أحضان الفرس ، لذلك سعى العنصر العربي في بغداد - وعلى رأسه الفضل بن الربيع - بالأمين لخلع المأمون ، ونقل ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى . والحقيقة أن ذلك لم يكن من رأى الأمين ولا من عزمه ، بل كان عزمه الوفاء لأخويه عبد اللّه والقاسم بما كان أخذ عليه لهما والده من العهود والشروط ، فلم يزل الفضل بالخليفة يصغر في عينيه شأن المأمون ، ويزين له خلعه حتى قال له : ما تنتظر يا أمير المؤمنين بعبد اللّه والقاسم أخويك ، فإن البيعة كانت لك متقدمة قبلهما ، وإنما أدخلا فيها بعدك واحدا بعد واحد « 4 » . على كل حال أفلح العنصر العربي في إقناع الأمين بخلع أخيه المأمون من ولاية العهد ، ومبايعة ابنه موسى ، وسماه الناطق بالحق ، وتسبب ذلك في
--> ( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 279 . ( 2 ) ابن طباطبا : الفخري في الآداب السلطانية ص 192 . ( 3 ) الجهشيارى : الوزراء والكتاب ص 289 . ( 4 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 194 ه .